محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

244

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

تعالى : { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } [ الأنبياء : 79 ] فهذا تفضيلٌ في الفهم بَيْنَ سليمان وداود - عليهما السلام - ، مع الاشتراكِ في النبوة ، والتفاوت ما بيْنَ الأُبوة والبنوة . وكذلك قد فَاضَلَ اللهُ بينَهم فيما دُونَ هذه المرتبة ، وهي مرتبةُ البيان ، ووضوحِ العبارة ، مثلَ ما نصَّ عليه من إيتاءِ داود فصلَ الخطاب ، ومثل قول موسى في أخيه - عليهما السلام - { هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا } [ القص ص : 34 ] . وعمودُ التفاوتِ الذي يدورُ عليه ، وميزانُهُ الذي يُعتبر به في أغلب الأحوال هو : التفاوت في صِحَّة الفَهْمِ ، وصفاء الذِّهن ، واعتدالِ المِزَاج ، وسلامةِ الذوق ، ورُجحانِ العقل ، واستعمالِ الِإنصاف . فهذه الأشياء هي مبادئ المعارف ، ومباني الفضائل ولأجلها يكون الرجلُ جواداً من غير إسراف ، وشجاعاً من غير تَهوُّر ، وغنياً من غير مال ، وعزيزاً من غير عشيرة ، إلى غير ذلكَ من الصفات الحميدة ، وعكسها مِن الرذائل الخسيسة . ومِنْ ها هنا حَصَلَ التفاوتُ الزائد ، حتى عُدَّ ألفُ بواحد ، وقد أنشد الزَّمخشريُّ ( 1 ) - رحمه الله - في ذلك :

--> ( 1 ) هو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الزمخشري الإمام الكبير في التفسير والنحو واللغة وعلم البيان كان إمام عصره غير مدافع ، تُشد إليه الرحال في فنون ، له التصانيف البديعة ، إلا أنه غفر - الله له - كان داعية إلى الاعتزال ، وقد أودع في تفسيره المسمى ب‍ " الكشاف " كثيراً من آراء أهل الاعتزال ، وقد أولع الناس به ، وبحثوا عليه ، وبينوا أغاليطه ، وأفردوها بالتأليف ، ومن رسخت قدمه في السنة وقرأ طرفاً من اختلاف المقالات ، انتقع بتفسيره ، ولم يضره ما يخشى من أخطائه . كانت وفاته رحمه الله سنة ثمان وثلاثين وخمس مئة . =